السيد عبد الأعلى السبزواري

146

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

والمعنى : أنه قصد خلق السماء ، وأراد ذلك بأتم أنحاء التدبير وأحسن جهات التنظيم فجعلهنّ سبع سماوات متقنات ، وسيأتي بيان عدد السبع في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى . وفي هذه الآية إشارة إلى أن خلق الأرض قبل خلق السماء . ولكن عرفت أن الخلق غير التسوية ، فإن في الأرض جهات كثيرة وفي السماء أيضا كذلك ، فكل منهما من الأمور الإضافية ويصير خلق تلك الجهات أيضا كذلك . وحينئذ لا منافاة بين ذلك ، وقوله تعالى : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [ سورة النازعات ، الآية : 27 - 31 ] ، فإن خلق السماء في هذه الآية المباركة مقدم من حيث الاستواء والإتمام . وخلق الأرض مؤخر من حيث فعلية نظمها ، وجري أنهارها ودحوها ونحو ذلك . وفي الآية السابقة أن خلق الأرض مقدم من حيث أصل التقدير فلا تضاد بينهما . قوله تعالى : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . الشيء من ألفاظ العموم بل لا أعم منه . وعن بعض اللغويين إن لفظ عليم للمبالغة وليس لمجرد الوصف الثابت . وقد عدّي بلفظ ( باء ) ، مع أنه متعد بنفسه ، لقوله تعالى : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ [ سورة الممتحنة ، الآية : 10 ] لإظهار الزيادة في العلم والمعلوم . وفي القرآن آيات كثيرة دالة على إحاطته بما سواه علما وقدرة ومن سائر الجهات ولعل أبلغ هذه التعبيرات بالنسبة إلى المخاطبين قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً [ سورة النساء ، الآية : 33 ] ، إذ الشهود والعيان أخص عندهم من العلم وإن كان لا فرق بينهما بالنسبة إليه تعالى . بحث فقهي : استدل الفقهاء بقوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً لإثبات الإباحة المطلقة في جميع الأشياء إلّا ما دل دليل بالخصوص على تحريمه ، وتمسكوا بغيرها من الآيات المباركة أيضا على ما سيأتي ، وبالروايات ، بل والعقل ، وبينوا في علم الأصول ما يتعلق بذلك .